ابن خلدون

190

تاريخ ابن خلدون

الطاغية أيام منها يوم الا رد ليعقوب بن المنصور وغيره من الأيام حتى إذا فشلت ريح الموحدين وافترقت كلمتهم وتنازع الامر سادة بنى عبد المؤمن الأمراء بالأندلس وتحاربوا على الخلافة واستجاشوا بالطاغية وأمكنوه من كثير من حصون المسلمين طعمة على الاستظهار فخشى أهل الأندلس على أنفسهم وثاروا بالموحدين وأخرجوهم وتولى ذلك ابن هود بمرسية وشرق الأندلس وعم بدعوته سائر أقطارها وأقام الدعوة فيها للعباسيين وخاطبهم ببغداد كما ذكرناه في أخبارهم واستوفينا كلا بما وضعناه في مكانه ثم انحجز ابن هود على الغريبة لبعدها عنه وفقده للعصابة المتناولة لها وانه لم تكن صنعته في الملك مستحكمة وتكالب الطاغية على الأندلس من كل جهة وكثر اختلاف المسلمين منهم وشغل بنو عبد المؤمن بما دهمهم من المغرب من شأن بنى مرين من زناتة فتكافى محمد بن يوسف بن الأحمر أمر الغربية وثار بحصنه أرجولة وكان شجاعا قرما ثبتا في الحروب فتلقف الكرة من يد ابن هود يجاذبه الحبل ويقارعه على عمالات الأندلس واحدة بعد أخرى إلى أن هلك ابن هود سنة خمس وثلاثين وتكالب العدو خلال ذلك على جزيرة الأندلس من كل جانب ووفر له ابن هود الجزية وبلغ بها أربعمائة ألف من الدنانير في كل سنة ونزل له على ثنتين من حصون المسلمين وخشي ابن الأحمر أن يستغلظ عليه بالطاغية فجنح هو إليه وتمسك بعروته ونفر في جملته إلى منازلة إشبيلية نكاية لأهلها ولما هلك الأمير أبو زكريا نبذ الدعوة الحفصية واستبد لنفسه وتسمى بأمير المسلمين ونازعه بالشرق أعقاب ابن هود وبنى مردنيش ودعاه الامر إلى النزول للطاغية من بلاد الفرنتيرة فنزل عليها بأسرها وكانت هذه المدة من سنة سبعين فترة ضاعت فيها ثغور المسلمين واستبيح حماهم والتهم العدو بلادهم وأموالهم نهبا في الحروب ووضيعة ومداراة في السلم واستولى طواغيت الكفر على أمصارها وقواعدها فملك ابن أدفوش قرطبة سنة ست وأربعين وتملك قط برشلونة مدينة بلنسية سنة سبع وثلاثين إلى ما بينهما من الحصون والمعاقل التي لا تعد ولا تحصى وانقرض أمر الثوار بالشرق وتفرد ابن الأحمر بغرب الأندلس وضاق نطاقه عن الممانعة دون البسائط الفيح من الفرنتيرة وما قاربها ورأى أن التمسك بها مع قلة العدد وضعف الشوكة مما يوهن أمره ويطمع فيه عدوه فعقد السلم مع الطاغية على النزول عنها أجمع ولجأ بالمسلمين إلى سيف البحر معتصمين بأوعاره من عدوهم واختار لنزله مدينة غرناطة وابتنى بها لسكانه حصن الحمراء حسبما شرحنا ذلك كله في مواضعه وفى أثناء هذا كله لم يزل صريخه ينادى بالمسلمين من وراء البحر والملا من أهل الأندلس يفسدون على أمير المسلمين أبى يوسف للإعانة ونصر الملة واستنقاذ الحرم والولد ان من أنياب العدو فلا يجد مفزعا إلى